
هومبريس – ح رزقي
في إطار فعاليات الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، احتضن رواق وزارة العدل لقاءً علمياً رفيع المستوى بعنوان: “أثر المستجدات القانونية على المنظومة الجنائية بالمغرب”، بمشاركة نخبة من الباحثين والمهنيين والمهتمين بالشأن القانوني والحقوقي.
وقد أطر هذا اللقاء كل من هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة، وسعاد حميدي، أستاذة باحثة بكلية العلوم القانونية بطنجة، فيما تولت صوفنة بن يحيى، رئيسة المرصد الوطني للإجرام، تسيير النقاش.
وركزت المداخلات على أبرز الإصلاحات التشريعية التي تعرفها المنظومة الجنائية الوطنية، وانعكاساتها على السياسة العقابية وضمانات المحاكمة العادلة، في ظل التحولات المجتمعية والحقوقية الراهنة.
وأجمع المتدخلون على أن المغرب يعيش دينامية إصلاحية غير مسبوقة، تجسدت في مراجعة نصوص قانونية أساسية، خاصة قانون المسطرة الجنائية، بما يواكب التطورات الدستورية والاتفاقيات الدولية.
ويأتي مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 في مقدمة هذه الإصلاحات، باعتباره محطة نوعية لإعادة هيكلة الإجراءات الجنائية وفق تصور حديث للعدالة، قائم على تكريس المحاكمة العادلة وتعزيز الضمانات القانونية للمتقاضين.
وقد وصف وزير العدل هذا المشروع بأنه “خطوة استثنائية في مسار تحديث المنظومة الجنائية الوطنية”.
من بين أبرز المستجدات التي حملتها هذه الإصلاحات، تعزيز حقوق الدفاع وتوسيع ضمانات قرينة البراءة، حيث نصت التعديلات على عدم اعتبار الصمت اعترافاً ضمنياً، إضافة إلى تقوية الرقابة القضائية على إجراءات البحث والتحقيق، وتوسيع بدائل الاعتقال الاحتياطي للحد من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية.
كما برزت العقوبات البديلة كأحد أهم التحولات في السياسة الجنائية، من خلال اعتماد العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، والتدابير التأهيلية أو العلاجية، وهو ما يعكس انتقال فلسفة العقوبة من الردع والزجر إلى الإصلاح والتأهيل وإعادة الإدماج.
إلى جانب ذلك، فرضت التطورات الرقمية تحديات جديدة على العدالة الجنائية، خاصة مع تنامي الجرائم الإلكترونية والعابرة للحدود، مما دفع المشرع إلى إدماج الوسائل التكنولوجية الحديثة في الإجراءات القضائية، سواء عبر رقمنة المساطر أو اعتماد وسائل إلكترونية للتبليغ وتتبع الملفات، بما يضمن سرعة البت وفعالية الأداء القضائي.
كما أولت الإصلاحات اهتماماً خاصاً بالفئات الهشة، خصوصاً ضحايا الاتجار بالبشر والنساء والأطفال، عبر ملاءمة التشريع الوطني مع المعايير الدولية، وتوفير آليات أكثر فعالية لحماية الضحايا والشهود، وتشديد العقوبات على الشبكات الإجرامية المنظمة.
وأكد المتدخلون أن نجاح هذه الإصلاحات لا يقتصر على تعديل النصوص القانونية، بل يتطلب تأهيل الموارد البشرية وتكوين القضاة وأجهزة إنفاذ القانون، إلى جانب نشر الثقافة القانونية داخل المجتمع، لضمان تطبيق فعال يواكب التحولات المتسارعة.
وشدد المشاركون على ضرورة إدماج هذه المستجدات ضمن البرامج الجامعية ومراكز التكوين القضائي، بما يتيح للطلبة والمهنيين مواكبة التطورات القانونية، ويعزز تكوين جيل جديد من القضاة والمحامين القادرين على التعامل مع التحديات المعاصرة.
وتمت الإشارة إلى أهمية دور الإعلام والمجتمع المدني في مواكبة الإصلاحات الجنائية، عبر نشر الوعي القانوني وتبسيط المفاهيم للجمهور، بما يساهم في تعزيز الثقة في العدالة وتقوية العلاقة بين المواطن والمؤسسات القضائية.
وفي الختام، عكس اللقاء حضوراً جماهيرياً متنوعاً من حقوقيين وقضاة ومحامين وأساتذة جامعيين وطلبة باحثين، مما ساهم في إثراء النقاش وفتح المجال أمام مقاربات متعددة، أكدت جميعها أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو بناء عدالة جنائية حديثة، أكثر توازناً بين حماية الأمن العام وضمان حقوق الإنسان وحريات الأفراد.



