
هومبريس – ح رزقي
أكد المنتدى العالمي للأمم المتحدة حول الأعمال وحقوق الإنسان، المنعقد بمدينة جنيف في نوفمبرالماضي، أن الإعلام المستقل يشكل أحد أعمدة منظومة حماية حقوق الإنسان، باعتباره أداة رئيسية لكشف الانتهاكات، ونقل صوت الضحايا، وتعزيز المساءلة في عالم يشهد تصاعدًا مقلقًا للتضييق على الحريات الأساسية.
وفي عدد من الجلسات والبيانات الختامية، شدد مشاركون من مسؤولين أمميين وخبراء وصحفيين على أن حرية الصحافة لم تعد مجرد حق مهني، بل شرطًا أساسيًا لضمان احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، خاصة في سياق الأنشطة التجارية العابرة للحدود.
الإعلام كخط دفاع أول عن الضحايا
أبرز المنتدى أن الإعلام يلعب دور “خط الدفاع الأول” في رصد الانتهاكات التي غالبًا ما تقع بعيدًا عن أعين الرقابة الرسمية، خصوصًا في سلاسل التوريد العالمية، ومناطق النزاع، والمجتمعات الهشة.
وأكد المتدخلون أن التقارير الاستقصائية أسهمت في كشف حالات تشغيل الأطفال، والاستغلال المفرط للعمال، والانتهاكات البيئية المرتبطة بأنشطة شركات كبرى.
وأشار ممثلو مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى أن العديد من القضايا الحقوقية لم تجد طريقها إلى المحاكم أو آليات الأمم المتحدة إلا بعد أن سلط الإعلام الضوء عليها، ما يجعل الصحافة شريكًا أساسيًا في تفعيل العدالة وليس مجرد ناقل للأحداث.
تضييق متزايد ومخاطر مهنية
في المقابل، حذر المنتدى من تنامي المخاطر التي يواجهها الصحفيون أثناء تغطية قضايا حقوق الإنسان، سواء عبر الترهيب القضائي، أو الملاحقات، أو التضييق الرقمي، أو حتى التهديد الجسدي.
واعتبر المشاركون أن استهداف الصحفيين لا يهدد الأفراد فحسب، بل يقوض الحق الجماعي في المعرفة.
وسجلت مداخلات عدة أن بعض الشركات والجهات النافذة باتت تستخدم أدوات قانونية أو تكنولوجية لإسكات الصحافة، من خلال دعاوى تشهير استراتيجية أو حملات تشويه رقمية، وهو ما وصفه المنتدى بأنه “انتهاك مزدوج” يطال الصحفيين والجمهور في آن واحد.
الإعلام والذكاء الاصطناعي: فرص ومخاطر
ناقش المنتدى أيضًا تأثير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي على العمل الصحفي الحقوقي.
ففي حين تتيح التكنولوجيا أدوات متقدمة للتحقيق وتحليل البيانات، حذر خبراء من مخاطر التلاعب بالمعلومات، والمراقبة الرقمية، واستخدام الخوارزميات لتقييد الوصول إلى المحتوى الحقوقي.
ودعا المشاركون إلى ضمان شفافية المنصات الرقمية، وحماية الصحفيين من الاستهداف الإلكتروني، مع التأكيد على أن الابتكار التكنولوجي يجب أن يخدم الحقيقة وحقوق الإنسان، لا أن يتحول إلى أداة لقمعها.
توصيات لتعزيز دور الإعلام
خلص المنتدى إلى جملة من التوصيات لتعزيز دور الإعلام في حماية حقوق الإنسان، من أبرزها:
-
ضمان الإطار القانوني لحماية حرية الصحافة واستقلالها،
-
تسهيل وصول الصحفيين إلى المعلومات، خاصة المتعلقة بأنشطة الشركات،
-
حماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان من جميع أشكال الانتقام،
-
دعم الصحافة الاستقصائية والتعاون العابر للحدود في القضايا الحقوقية المعقدة.
كما شدد المنتدى على ضرورة إشراك الإعلام في صياغة السياسات الحقوقية، باعتباره فاعلًا رقابيًا لا غنى عنه في أي منظومة ديمقراطية.
وبعث منتدى جنيف 2025 برسالة واضحة مفادها أن لا حماية فعالة لحقوق الإنسان دون إعلام حر، مهني، ومسؤول، وأن أي مساس بحرية الصحافة هو مساس مباشر بحقوق الإنسان نفسها.
وبينما تتزايد التحديات، يبقى الرهان معقودًا على إعلام قادر على الصمود، وكشف الحقيقة، وإبقاء الانتهاكات في دائرة الضوء، مهما كانت كلفته.



