الرئيسية

أزيلال بين مطالب التنمية وواقع المؤهلات.. هل تختزل الاحتجاجات صورة الإقليم?

جمال شكري: باحث في قضايا  الجبل


أعاد النقاش الذي رافق بعض الاحتجاجات الاجتماعية بإقليم أزيلال إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً يتعلق بكيفية قراءة واقع الإقليم وتقديم صورته للرأي العام. فبين من يركز على مظاهر الخصاص والإكراهات التنموية، ومن يدعو إلى إبراز المؤهلات والفرص التي تزخر بها المنطقة، يظل المطلوب هو اعتماد مقاربة متوازنة تنصف الواقع بكل تعقيداته.

لا أحد يجادل في أن إقليم أزيلال، بحكم طبيعته الجبلية واتساع مجاله الترابي، يواجه تحديات حقيقية ترتبط أساساً بالبنية الطرقية، وفك العزلة عن بعض الدواوير، وتعزيز العرض الصحي وتقريب الخدمات الأساسية من المواطنين. وهي مطالب مشروعة رفعتها الساكنة في أكثر من مناسبة، شأنها في ذلك شأن مناطق عديدة عبر مختلف جهات المملكة.

غير أن اختزال أزيلال في مؤشرات الفقر أو في صور الاحتجاج فقط لا يعكس حقيقة هذا الإقليم الذي يعد من أغنى مناطق المغرب من حيث المؤهلات الطبيعية والبيئية والسياحية والتراثية. فالإقليم يحتضن مواقع ذات إشعاع وطني ودولي، من قبيل شلالات أوزود وبحيرة بين الويدان والمنتزهات الجبلية والمجالات الطبيعية التي تستقطب سنوياً آلاف الزوار من داخل المغرب وخارجه.

كما أن أزيلال تعد خزانا مائيا استراتيجيا للمملكة، وتتوفر على مؤهلات فلاحية وسياحية مهمة، فضلاً عن رصيد ثقافي وتراثي غني يشكل جزءاً من الهوية المغربية المتنوعة. وهي عناصر تجعل الحديث عن الإقليم من زاوية الهشاشة وحدها قراءة غير مكتملة للواقع.

ومن الملاحظ أيضاً أن الحراك الاجتماعي الذي تعرفه بعض المناطق لا ينبغي اعتباره مؤشراً سلبياً فقط، بل يمكن النظر إليه باعتباره تعبيراً عن وعي متزايد لدى المواطنين بحقوقهم التنموية، ورغبتهم في تحسين جودة الخدمات العمومية. فالاحتجاج السلمي والمطالبة بالطرق والمستشفيات والمؤسسات التعليمية ليست دليلاً على انهيار الأوضاع، بقدر ما هي دليل على ارتفاع سقف الانتظارات لدى الساكنة.

كما أن العديد من الجماعات والمراكز التابعة للإقليم شهدت خلال السنوات الأخيرة إنجاز مشاريع مهمة في مجالات الطرق والماء الصالح للشرب والكهرباء والتعليم والبنيات الرياضية والسياحية، وهو ما يؤكد أن مسار التنمية، رغم بطئه أحياناً، لم يكن غائباً عن المنطقة.

وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الإشكال الرئيسي الذي ما زال يطرح بإلحاح في أزيلال يرتبط أساساً بتحسين شبكة الطرق وتعزيز الخدمات الصحية، وهما قطاعان يحتاجان إلى استثمارات إضافية وإلى تسريع وتيرة الإنجاز. أما الحديث عن الإقليم وكأنه يعيش عزلة شاملة أو أوضاعاً استثنائية خارج السياق الوطني، فهو توصيف لا ينسجم مع الواقع الذي تعيشه أغلبية الساكنة.

لقد أثبت أبناء أزيلال، داخل الإقليم وخارجه، قدرتهم على النجاح في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والإدارية، كما أثبت الإقليم نفسه أنه يمتلك من المؤهلات ما يؤهله ليكون قطباً سياحياً وبيئياً وتنموياً مهماً على الصعيد الوطني.

لذلك فإن الرهان اليوم لا ينبغي أن يكون على تضخيم صورة الاختلالات أو إنكارها، بل على بناء خطاب متوازن يعترف بالإكراهات القائمة، ويبرز في الوقت نفسه ما تزخر به المنطقة من إمكانيات وفرص. فالتنمية لا تتحقق بتسويق صورة سوداء عن المجالات الترابية، كما لا تتحقق بإنكار المشاكل، وإنما بقراءة واقعية تجعل من المؤهلات مدخلاً لمعالجة الاختلالات وتحقيق العدالة المجالية المنشودة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق