الرئيسية

حميد رزقي

مع بداية موسم حصاد الحبوب بجهة بني ملال خنيفرة، يعود ملف الخصاص الحاد في اليد العاملة الفلاحية إلى واجهة النقاش داخل الأوساط المهنية، وسط مخاوف متزايدة من انعكاسات هذه الأزمة على جمع المحاصيل في الوقت المناسب، رغم المؤشرات الإيجابية التي طبعت الموسم الفلاحي الحالي بفضل تحسن التساقطات المطرية.

في عدد من المناطق الفلاحية التابعة لأقاليم بني ملال والفقيه بن صالح وأزيلال وخنيفرة، تبدو حقول القمح والشعير جاهزة للحصاد، غير أن فرحة الفلاحين بالمردودية المنتظرة تصطدم بصعوبة متزايدة في العثور على العمال القادرين على إنجاز عمليات الحصاد والنقل والتجميع داخل الآجال المناسبة.

ويؤكد عدد من الفلاحين أن الأزمة لم تعد ظرفية أو مرتبطة بموسم معين، بل تحولت إلى إشكال بنيوي يهدد استمرارية عدد من الأنشطة الفلاحية بالجهة. ويشير هؤلاء إلى أن اليد العاملة القروية أصبحت نادرة مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل تزايد هجرة الشباب نحو المدن أو توجههم إلى قطاعات أخرى توفر أجوراً أعلى وظروف عمل أقل مشقة.

ويقول فلاحون إن تكلفة العامل الفلاحي ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى زيادة أعباء الاستغلاليات الصغرى والمتوسطة التي تجد نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين ارتفاع تكاليف الإنتاج من جهة، والحاجة إلى تسريع وتيرة الحصاد من جهة أخرى تفادياً لأي خسائر محتملة.

وفي جولة بعدد من المناطق القروية، عبّر مهنيون عن قلقهم من تأخر عمليات الحصاد في بعض الضيعات بسبب النقص المسجل في اليد العاملة، مؤكدين أن جزءاً من المحاصيل لا يزال قائماً بالحقول في انتظار توفير العمال أو الآليات الكافية لإنجاز العملية في ظروف مناسبة.

ويستحضر الفلاحون في هذا السياق ما عاشته سلسلة الزيتون خلال المواسم الماضية، حين اضطر عدد من المنتجين إلى ترك كميات مهمة من المحصول فوق الأشجار بسبب عدم توفر العمال الكافيين لجني الثمار في الوقت المناسب. وقد خلف ذلك خسائر اقتصادية مباشرة، فضلاً عن تراجع جودة المنتوج وانخفاض مردوديته التسويقية.

ويعتبر عدد من المهنيين أن ما وقع في قطاع الزيتون ينبغي أن يشكل جرس إنذار حقيقياً بالنسبة لباقي السلاسل الفلاحية، خاصة الحبوب التي ترتبط بفترة حصاد محدودة زمنياً، حيث إن أي تأخير قد يجعل المحصول عرضة للتلف أو للتأثيرات المناخية غير المتوقعة.

ويرجع متتبعون هذه الوضعية إلى عوامل متشابكة، من أبرزها التحولات الاجتماعية التي عرفها العالم القروي، وتراجع جاذبية المهن الفلاحية لدى الشباب، إلى جانب تنامي فرص الشغل في قطاعات البناء والأشغال العمومية والصناعة والخدمات، والتي أصبحت تستقطب أعداداً متزايدة من العمال الموسميين.

وفي المقابل، يرى خبراء في المجال الفلاحي أن مواجهة هذه الإشكالية تتطلب رؤية شمولية تتجاوز الحلول الظرفية، عبر تسريع وتيرة المكننة وتوسيع برامج التكوين المهني الفلاحي وتحسين ظروف العمل داخل الضيعات، بما يضمن استقطاب اليد العاملة والحفاظ على تنافسية القطاع.

ويظل قطاع الفلاحة أحد المحركات الأساسية للاقتصاد بجهة بني ملال خنيفرة، ما يجعل ضمان توفر الموارد البشرية الضرورية لإنجاح المواسم الفلاحية رهانا استراتيجيا لا يهم الفلاحين وحدهم، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للجهة بأكملها.

وفي انتظار حلول عملية ومستدامة، يبقى هاجس نقص اليد العاملة حاضراً بقوة خلال موسم حصاد الحبوب الحالي، وسط تخوفات من تكرار سيناريوهات سابقة كبدت الفلاحين خسائر مهمة، وأعادت إلى الواجهة سؤال مستقبل العمل الفلاحي بالعالم القروي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق