
حميد رزقي- بني ملال
تدخل جهة بني ملال خنيفرة الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، على وقع خريطة سياسية يصعب اختزالها في مواجهة ثنائية بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، رغم أن الحزبين يبدوان في مقدمة القوى المتنافسة على إعادة تشكيل المشهد الانتخابي بالجهة.
فالانتخابات السابقة أفرزت تعدد مراكز القوة، فيما كشفت السنوات الخمس الماضية أن مواقع الأحزاب لا تتحرك بالضرورة في الاتجاه نفسه بين المجالس الجماعية ومجلس الجهة ومجلس النواب. وهو ما يجعل السباق المقبل مفتوحا على احتمالات متعددة، خصوصا في ظل إعادة ترتيب التحالفات واستقطاب المنتخبين وظهور رهانات جديدة حول تدبير المشاريع العمومية.
الأحرار يتصدر المجالس.. والبام يمسك بمفتاح الجهة
تكشف نتائج انتخابات مجلس جهة بني ملال خنيفرة لسنة 2021 عن أفضلية عددية لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي تصدر النتائج بـ14 مقعدا من أصل 57، متبوعا بالأصالة والمعاصرة بـ11 مقعدا، ثم الاستقلال بـ10 مقاعد، والحركة الشعبية بـ9 مقاعد، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ7 مقاعد، والتقدم والاشتراكية بـ3 مقاعد، فيما حصل كل من الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية والعدالة والتنمية على مقعد واحد.
لكن تصدر «الأحرار» للانتخابات الجهوية لم يكن كافيا لوضع الحزب على رأس المؤسسة الجهوية، بعدما اتجهت خمسة أحزاب، هي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي، إلى إسناد رئاسة مجلس الجهة إلى عادل بركات عن «البام». وانتُخب بركات لاحقا بـ56 صوتا من أصل 57، مع امتناع عضو واحد عن التصويت.
وهنا تظهر إحدى مفارقات الخريطة السياسية بالجهة وهي أن الحزب الذي يتصدر عدد المقاعد ليس بالضرورة الحزب الذي يمتلك موقع القرار داخل المؤسسة. فالانتخابات تنتج الأرقام، بينما تنتج التحالفات موازين أخرى، وهي قاعدة تبدو مرشحة للعودة بقوة في الحسابات السياسية لما بعد اقتراع 23 شتنبر.
من المجالس إلى البرلمان.. تتغير الخريطة
إذا كانت انتخابات مجلس الجهة قد منحت الأحرار صدارة واضحة، فإن انتخابات مجلس النواب لسنة 2021 قدمت صورة مختلفة، وإن ظل الحزب في مقدمة الترتيب.
فمن أصل 25 مقعدا محليا موزعة على أقاليم الجهة، حصل التجمع الوطني للأحرار على 6 مقاعد، متبوعا بكل من الأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية بـ5 مقاعد لكل منهما، ثم الاستقلال بـ4 مقاعد، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ3 مقاعد، والتقدم والاشتراكية بـمقعدين. وتوزعت هذه النتائج بين الدوائر الانتخابية الخمس وفق خصوصيات كل إقليم.
وتكشف هذه الخريطة أن التفوق العددي للأحرار في مجلس الجهة والمجالس الجماعية لم يترجم إلى هيمنة برلمانية مطلقة، لكنه منح الحزب صدارة التمثيلية المحلية داخل مجلس النواب. وفي المقابل، حافظ «البام» و«السنبلة» على حضور برلماني قوي، بما يجعل المنافسة المقبلة مفتوحة على أكثر من سيناريو.
وبذلك، فإن الحديث عن «قوة حزب» على مستوى الجهة يحتاج إلى أكثر من ترتيب عام؛ إذ ينبغي النظر إلى قدرته على تحويل الحضور الجماعي والجهوي إلى مقاعد برلمانية، وإلى مدى احتفاظ مرشحيه بقواعد انتخابية قادرة على الصمود أمام الاستقطابات الجديدة.
الأحرار.. أفضلية عددية متعددة الواجهات
يملك التجمع الوطني للأحرار واحدة من أبرز أوراق القوة في الجهة. فإلى جانب تصدره انتخابات مجلس الجهة بـ14 مقعدا، تصدر أيضا انتخابات المجالس الجماعية بالجهة سنة 2021 بـ854 مقعدا، متبوعا بالأصالة والمعاصرة بـ601 مقعد، ثم الحركة الشعبية بـ369، والاستقلال بـ357، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ256 مقعدا.
وتمنح هذه الأرقام للأحرار قاعدة محلية واسعة، لكنها في المقابل تضع الحزب أمام اختبار الحفاظ على هذه الأفضلية وتحويلها إلى تمثيلية برلمانية أقوى.
فالانتخابات التشريعية لا تجري على أساس مجموع المقاعد الجماعية أو الجهوية، وإنما داخل دوائر لها خصوصياتها ومرشحون وحسابات محلية مختلفة. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي بالنسبة للأحرار لن يكون فقط الدفاع عن صورة الحزب المتصدر، وإنما إثبات أن الامتداد الجماعي والجهوي الذي راكمه منذ 2021 قادر على إنتاج قوة انتخابية مماثلة أو أكبر داخل مجلس النواب.
البام.. قوة المؤسسة في مواجهة قوة الأرقام
في المقابل، يدخل الأصالة والمعاصرة السباق المقبل من موقع مختلف. فالحزب حل ثانيا في انتخابات مجلس الجهة بـ11 مقعدا، لكنه حصل على رئاسة المؤسسة، وهو ما منحه خلال الولاية الحالية موقعا متقدما في تدبير البرامج والمشاريع الجهوية.
غير أن الموقع نفسه يضع الحزب أمام اختبار سياسي؛ فالرئاسة تمنح قدرة أكبر على الحضور المؤسساتي وتقديم الحصيلة، لكنها تجعل في الوقت نفسه أداء المجلس ومشاريعه وبرامجه جزءا من النقاش الانتخابي.
والسؤال الذي يواجه «البام» لا يتعلق فقط بما إذا كان سيحافظ على رئاسة مجلس الجهة مستقبلا، وإنما بما إذا كان قادرا على تحويل حضوره المؤسساتي خلال الولاية إلى رصيد انتخابي داخل صناديق الاقتراع.
فالموقع المؤسساتي يمكن أن يكون ورقة قوة، لكنه قد يتحول أيضا إلى مصدر للمساءلة السياسية، خصوصا عندما تصبح المشاريع العمومية جزءا من السجال الانتخابي.
خريبكة وأزيلال.. الخريطة لا تسير بلون واحد
تكشف بعض الدوائر حدود القراءة الجهوية الموحدة.
ففي خريبكة، تقاسمت ستة أحزاب المقاعد البرلمانية الستة سنة 2021، بواقع مقعد واحد لكل من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وهو ما يجعل الدائرة نموذجا واضحا لتشتت الخريطة الانتخابية.
أما خنيفرة، فتقاسمت الأحزاب الثلاثة التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية والاستقلال المقاعد الثلاثة، مع تصدر الأحرار من حيث عدد الأصوات.
وفي أزيلال، التي تضم دائرتين تشريعيتين، أفرز اقتراع 2021 حضورا قويا للأحرار والأصالة والمعاصرة، حيث حصل كل منهما على مقعدين، فيما عاد مقعد لكل من الاستقلال والحركة الشعبية. وتوزعت المقاعد بين دائرتي أزيلال-دمنات وبزو-واويزغت، بما يؤكد خصوصية الإقليم وعدم إمكانية قراءة نتائجه بمنطق دائرة واحدة.
أما الفقيه بن صالح، فقد توزعت مقاعده الأربعة بين التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي، بواقع مقعد لكل حزب، رغم تصدر الأحرار نتائج الأصوات على مستوى الإقليم.
وتؤكد هذه النتائج أن شخصية المرشح وشبكة علاقاته وحضوره المحلي قد تصبح أكثر حسما من الترتيب الجهوي للحزب، خصوصا في الدوائر التي تعرف تقاربا في موازين القوى.
المشاريع العمومية تدخل الحساب الانتخابي
في خضم هذه الحسابات، انتقلت المشاريع العمومية إلى قلب النقاش السياسي، خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات وتصاعد الاهتمام بحصيلة المؤسسات المنتخبة وبرامجها.
وإذا كان من الطبيعي أن تقدم المؤسسات المنتخبة حصيلة عملها أمام المواطنين، فإن الإشكال يبدأ عندما تتحول المشاريع الممولة من المال العام إلى مادة للاستقطاب الحزبي، أو عندما يصبح توقيت الزيارات والتدشينات جزءا من المنافسة الانتخابية.
وفي المقابل، لا يمكن تحويل كل زيارة ميدانية أو مشروع عمومي إلى دليل على توظيف انتخابي من دون إثبات، وهو ما يجعل الفصل بين النقد السياسي والاتهام القانوني ضروريا في هذه المرحلة.
ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: أي حزب يستفيد سياسيا من المشاريع؟ بل أيضا: هل تقدم المشاريع بالمعايير ذاتها أمام المواطنين؟ وهل تظل المؤسسة العمومية منفصلة عن الدعاية الحزبية؟ وهل تطبق قواعد المنافسة الانتخابية على جميع المتنافسين دون استثناء؟
الاستقلال والحركة الشعبية.. أوراق يصعب تجاوزها
وراء الصراع بين «الأحرار» و«البام» تقف قوى انتخابية يصعب تجاهلها.
فالاستقلال حصل على 10 مقاعد في مجلس الجهة، بينما حصدت الحركة الشعبية 9 مقاعد، وهي أرقام تضع الحزبين ضمن مكونات الخريطة الأساسية بالجهة. وعلى المستوى البرلماني، جاء الاستقلال بـ4 مقاعد، فيما حصلت الحركة الشعبية على 5 مقاعد في انتخابات 2021.
وتزداد أهمية الحركة الشعبية بالنظر إلى حضورها التاريخي في عدد من المناطق، خصوصا في المجال الجبلي، بينما يستفيد الاستقلال من شبكة تنظيمية ومنتخبين وقواعد انتخابية تمتد عبر أكثر من إقليم.
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي حصل على 7 مقاعد في مجلس الجهة وثلاثة مقاعد في مجلس النواب، فيدخل بدوره السباق من أجل الدفاع عن مواقع تقليدية ومحاولة استعادة جزء من الوزن الذي فقدته أحزاب اليسار خلال السنوات الأخيرة.
«البيجيدي» واليسار.. البحث عن العودة
وفي الطرف الآخر من الخريطة، لا تبدو الأحزاب التي تراجعت نتائجها في 2021 مستعدة لتسليم مواقعها بسهولة.
فالعدالة والتنمية، الذي فقد حضوره البرلماني المحلي في عدد من الدوائر، يواجه تحدي إعادة بناء حضوره السياسي والتنظيمي، فيما يراهن التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي على قواعد انتخابية لا تزال قائمة في عدد من المناطق.
وتبدو المهمة مختلفة من حزب إلى آخر، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: هل تستطيع هذه التنظيمات تحويل حضورها السياسي وخطابها الانتخابي إلى أصوات ومقاعد في ظل منافسة أكثر اعتمادا على الشخصيات المحلية والتحالفات والقدرة التنظيمية؟
معركة أشخاص بقدر ما هي معركة أحزاب
أحد أبرز عناصر انتخابات 2026 سيكون حضور الأسماء والوجوه المحلية.
ففي عدد من دوائر الجهة، لا يصوت الناخب بالضرورة للون الحزبي وحده، وإنما يتأثر أيضا بصورة المرشح وحضوره المحلي وشبكة علاقاته ومدى قدرته على التواصل مع الناخبين.
وهذا العامل قد يجعل نتائج 2026 مختلفة عن ترتيب الأحزاب في انتخابات مجلس الجهة أو المجالس الجماعية. فالحزب الذي يمتلك 14 مقعدا جهويا لا يضمن تلقائيا العدد نفسه من المقاعد البرلمانية، كما أن الحزب الذي يحتل المرتبة الثانية جهويا يمكن أن يتصدر دائرة بعينها بفضل مرشح قوي.
وبالتالي، فإن المعركة الحقيقية بدأت تتحول من سؤال «من هو الحزب الأقوى؟» إلى سؤال أكثر تعقيدا: من يمتلك القدرة على ترجمة قوته التنظيمية والمؤسساتية إلى أصوات ومقاعد داخل كل دائرة؟
التحالفات القديمة.. ومنافسة جديدة
المفارقة أن الأحزاب التي تتواجه اليوم انتخابيا هي نفسها التي شكلت، في لحظة سابقة، تحالفا لإدارة مجلس الجهة.
ففي 2021، اجتمعت أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي حول إسناد رئاسة المجلس إلى «البام»، في تجربة تؤكد أن منطق التحالفات المؤسساتية لا يتطابق بالضرورة مع منطق المنافسة الانتخابية.
وهذا يضع العلاقة بين «الأحرار» و«البام» أمام اختبار جديد؛ فالتعاون المؤسساتي الذي جمعهما خلال الولاية لم يمنع انتقال التنافس إلى الواجهة السياسية مع اقتراب الانتخابات.
وإذا كانت التحالفات تفرضها في العادة نتائج الاقتراع، فإن انتخابات 2026 قد تعيد رسمها من جديد، وقد تفرز توازنات تجعل الحزب المتصدر في حاجة إلى خصومه السابقين لتشكيل أغلبيات جديدة، سواء على المستوى الجهوي أو المحلي.
الصندوق وحده يحسم المعركة
تبدو جهة بني ملال خنيفرة، قبل أسابيع من موعد الاقتراع، أمام سباق متعدد الواجهات: «الأحرار» يدافع عن أفضلية واضحة في المجالس الجماعية والجهوية وعن صدارة برلمانية محلية في 2021، و«البام» يخوض المعركة من موقع رئاسة مجلس الجهة وحضور برلماني قوي، فيما تحتفظ الحركة الشعبية والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية بأوراق انتخابية لا يمكن تجاهلها.
لكن تحويل هذه المؤشرات إلى توقعات قطعية سيكون سابقا لأوانه. فالخريطة التي أفرزتها انتخابات 2021 قد تتغير بفعل المرشحين والتحالفات والتحولات المحلية، كما أن نتائج المجالس الجماعية أو مجلس الجهة لا يمكن إسقاطها آليا على الانتخابات التشريعية.
ولهذا، فإن معركة 23 شتنبر في جهة بني ملال خنيفرة لن تكون فقط صراعا بين «الحمامة» و«الجرار»، بل اختبارا لقدرة كل حزب على تحويل ما راكمه خلال خمس سنوات إلى ثقة انتخابية جديدة.
وفي النهاية، ستظل الأرقام التي أنتجتها المؤسسات خلال الولاية الماضية مجرد مؤشرات، بينما ستحدد صناديق الاقتراع وحدها من حافظ على مواقعه، ومن فقدها، ومن نجح في إعادة ترتيب الخريطة السياسية لجهة ظلت، تاريخيا، واحدة من أكثر الجهات تعددا في مراكز القوة الانتخابية.



