الرئيسية

الكهربة في أزيلال.. طاقة تُنير مسار التنمية الجبلية

 

حميد رزقي

 الكهربة رافعة للتنمية الجبلية

يشكّل مسار الكهربة في إقليم أزيلال نموذجاً حياً لتأثير البنيات التحتية على التنمية الجبلية، خاصة في المناطق التي عانت طويلاً من ضعف التجهيزات وصعوبة الولوج إلى الخدمات الحيوية. فقد تحوّل الربط بالكهرباء من خدمة تقنية محدودة إلى رافعة تنموية أساسية أسهمت في تحسين جودة الحياة، وتعزيز خدمات التعليم والصحة، ودعم الأنشطة الاقتصادية المحلية.

 من الظلام إلى الإنارة الشاملة

منذ إطلاق برنامج الكهربة القروية الشاملة سنة 1996، تغيّر وجه أزيلال تدريجياً. فبفضل هذا البرنامج الوطني، الذي جاء كثمرة شراكة بين المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب ووزارة الداخلية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تمكن الإقليم من تحقيق قفزة نوعية في تعميم الشبكة الكهربائية.


وتشير المعطيات الرسمية إلى أن نسبة التغطية تجاوزت 99.8 في المائة، مع استفادة أكثر من 1250 دواراً، ما جعل أزيلال من الأقاليم السباقة إلى بلوغ هذا المستوى من التغطية في الوسط الجبلي.

 أثر الكهرباء على التعليم والصحة

هذا التحول الملموس كان له أثر مباشر على تحسين ظروف العيش وتقليص الفوارق المجالية. فالكهرباء مكّنت الأسر من الإنارة واستعمال الأجهزة المنزلية، وساهمت في خلق فرص لأنشطة اقتصادية محلية، مثل محلات الحرف الصغيرة والتبريد الفلاحي وصيانة الآلات، فضلاً عن تشغيل الإنارة العمومية في المراكز الحضرية والقرى.

في القرى الجبلية التي كانت تغرق في الظلام مع غروب الشمس، أصبحت المدارس والإعداديات مزوّدة بالإنارة اللازمة لتأمين ظروف الدراسة والمطالعة. كما تمكّنت المؤسسات الصحية من تشغيل الأجهزة الطبية وحفظ الأدوية واللقاحات، وهو ما حسّن جودة الخدمات الصحية لفائدة المواطنين، خصوصاً في المناطق النائية.


وفي شهادات متطابقة لعدد من سكان القرى الجبلية، أكّدوا أن الكهرباء غيّرت حياتهم اليومية بالكامل وأسهمت في تثبيتهم بمناطقهم بعد سنوات من الهجرة نحو المدن، مشيرين إلى أن أبرز التحولات الملموسة ظهرت في قطاعي التعليم والصحة.

 دينامية تقنية لتعزيز جودة الخدمة

وأوضح مصدر عن وكالة الخدمات الإقليمية للكهرباء بأزيلال، أن الجهود الميدانية للمكتب الوطني للكهرباء “تتركز على ضمان جودة الخدمة الكهربائية وتقوية الشبكة في المناطق الجبلية الوعرة”.


وقال إن المكتب “أطلق خلال السنوات الأخيرة سلسلة من المشاريع التي شملت توسيع الشبكة الكهربائية لتصل نسبة الربط إلى 99.89%، وإحداث محولات جديدة لتخفيف الضغط على الشبكة، وتعويض الأعمدة الخشبية القديمة بأخرى حديدية أو إسمنتية أكثر صلابة”.


وأضاف أن من بين المشاريع المهيكلة التي تم تنفيذها أيضاً “إعادة هيكلة الخطوط الكهربائية ووضع بعضها تحت الأرض داخل مدينة أزيلال لتحسين السلامة وجمالية الفضاء العام”، مؤكداً أن هذه العمليات “تندرج ضمن رؤية شاملة لتأمين الإمداد الكهربائي بشكل مستدام”.

تحديات الجغرافيا والمناخ

لكن هذه الدينامية لم تخلُ من تحديات. فالمنطقة الجبلية بأزيلال تعرف تضاريس صعبة ومناخاً قاسياً، ما يؤدي في فترات معينة إلى سقوط بعض الأعمدة الكهربائية بسبب الانجرافات أو التساقطات الثلجية.


ويقول المصدر “يتعامل مع هذه الحالات بسرعة وفعالية عبر فرق تقنية متخصصة، تعمل على إصلاح الأعطال الميدانية وفق أولويات يتم تحديدها بتنسيق مع السلطات المحلية، حفاظاً على استمرارية الخدمة”.


كما أشار إلى أن المكتب “يواصل تطوير بنيات القرب من خلال فتح نقاط جديدة لاستخلاص الفواتير والتعبئة، إلى جانب تعبئة فرق التدخل السريع لتلبية طلبات المواطنين وتوفير المساعدة التقنية في أسرع وقت ممكن”.

 تحسين الإنارة العمومية والفضاء الحضري

شهدت مدينة أزيلال في السنوات الأخيرة تحسينات ملموسة في شبكة الإنارة العمومية، خصوصاً بعد تعويض المصابيح القديمة بأخرى من نوع “LED” المقتصدة للطاقة. هذه العملية شملت مداخل المدينة وعدداً من الأحياء السكنية، وساهمت في تقليص الانقطاعات الكهربائية وتحسين جمالية المشهد الليلي.


ويرى عدد من السكان أن هذه التحسينات “أضفت إحساساً بالأمان وسهّلت حركة المرور ليلاً، خاصة في الفضاءات العمومية التي كانت تفتقر إلى الإنارة الكافية”.

 الكهرباء محرك للنشاط الاقتصادي

إلى جانب بعدها الخدمي، أصبحت الكهرباء عاملاً أساسياً في تحفيز الاقتصاد المحلي. فتوفر الطاقة شجّع على إنشاء محلات ومقاولات صغرى في مجالات الصناعة التقليدية، والنجارة، والتبريد الفلاحي، إضافة إلى استغلال الطاقة في مشاريع فلاحية تعتمد على الضخ الكهربائي للسقي.


ويؤكد خبراء التنمية المحلية أن “الكهربة في العالم القروي تمثّل إحدى أعمدة التنمية المستدامة، لأنها تفتح الباب أمام مبادرات إنتاجية جديدة وتخلق توازناً في توزيع الفرص بين الحضر والقرى”.

 رؤية نحو المستقبل

يواصل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، بشراكته مع السلطات الإقليمية والجماعات المحلية، تنفيذ مشاريع مهيكلة ضمن برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، الذي يروم ضمان ولوج عادل إلى الخدمات الأساسية وتحقيق العدالة الطاقية في مختلف مناطق المملكة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق