
حميد رزقي
تدخل دائرة الفقيه بن صالح الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل بملامح سياسية مختلفة عن تلك التي طبعت استحقاقات 2021، بعدما أعادت السنوات الخمس الماضية ترتيب مواقع الأحزاب والمنتخبين، ودفعت بعدد من الوجوه إلى تغيير مواقعها، فيما اختارت تنظيمات سياسية أخرى الرهان على أسماء جديدة لاختبار قدرتها على اختراق خريطة انتخابية طالما ارتبطت بقوة الأعيان والامتدادات المحلية.
وتكتسي الدائرة أهمية خاصة بالنظر إلى كونها مخصصة لأربعة مقاعد بمجلس النواب، وهو ما يجعل المعركة الانتخابية مفتوحة على أكثر من سيناريو، خصوصا أن انتخابات 2021 لم تمنح أي حزب هيمنة مطلقة على المقاعد الأربعة، بعدما توزعت بين الحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي.
لكن قراءة انتخابات 2026 انطلاقا من نتائج 2021 وحدها قد تكون مضللة؛ فالخريطة المحلية تغيرت بشكل واضح، وتوسعت شبكة التحالفات والامتدادات الانتخابية، بينما انتقلت المنافسة تدريجيا من صراع بين أسماء حزبية معروفة إلى اختبار حقيقي لقدرة كل تنظيم على تجميع الأصوات داخل المجال الحضري والقروي معا.
الأحرار.. من قوة جماعية إلى طموح برلماني
يبدو حزب التجمع الوطني للأحرار من أبرز المستفيدين من التحولات التي عرفها الإقليم خلال السنوات الماضية. فقد عزز الحزب حضوره داخل عدد من الجماعات الترابية، وهو ما يمنحه، نظريا، شبكة انتخابية واسعة يمكن أن تشكل قاعدة لخوض المنافسة على أحد المقاعد الأربعة. وتشير معطيات محلية إلى أن الحزب يترأس حاليا عددا كبيرا من الجماعات بالإقليم، ما يجعل موقعه مختلفا عن وضعه خلال انتخابات 2021.
ويخوض الأحرار استحقاق 2026 باسم صالح حنين، الذي سبق أن ارتبط اسمه بالتجربة الجماعية والانتخابية بالإقليم، قبل أن يعود إلى واجهة السباق البرلماني. وقد أعلن الحزب رسميا ترشيح حنين وكيلا للائحته بدائرة الفقيه بن صالح.
غير أن قوة التنظيم المحلي لا تعني بالضرورة حسم المقعد، لأن الانتخابات التشريعية تختلف في حساباتها عن الانتخابات الجماعية. فالناخب الذي يصوت لمرشح محلي قد لا يتعامل بالمنطق نفسه عندما يتعلق الأمر باختيار ممثل له في البرلمان، وهو ما يجعل الأحرار أمام امتحان تحويل الانتشار الجماعي إلى أصوات برلمانية فعلية.
البام.. محاولة استثمار التحالفات والامتداد المحلي
في الجهة المقابلة، يدخل حزب الأصالة والمعاصرة السباق بورقة أحمد فضلي، الذي اختاره الحزب وكيلا للائحته بدائرة الفقيه بن صالح.
ويستند “البام” إلى إرث انتخابي مهم داخل الدائرة، بعدما تمكن إبراهيم فضلي من الظفر بأحد المقاعد الأربعة في انتخابات 2021، إلى جانب احتفاظ العائلة السياسية نفسها بامتداد قوي داخل عدد من الجماعات والمناطق القروية.
غير أن التحدي المطروح أمام الحزب لا يرتبط فقط بالحفاظ على موقعه، بل بقدرته على تحويل حضوره المؤسساتي داخل الجهة إلى رصيد انتخابي مباشر داخل الإقليم.
ويأتي ذلك في سياق سياسي أوسع، إذ يقود الحزب مجلس جهة بني ملال-خنيفرة، بينما أصبحت حصيلة التدبير الجهوي نفسها موضوعا سياسيا قابلا للاستثمار من طرف الخصوم خلال الحملة الانتخابية. وهنا قد تتحول المشاريع والوعود والبرامج التنموية إلى مادة انتخابية بامتياز، سواء بالنسبة إلى الحزب الذي يريد الدفاع عن حصيلته أو منافسيه الذين سيحاولون مساءلتها.
الاستقلال.. معركة استعادة الموقع
أما حزب الاستقلال، فيدخل السباق باسم رحال المكاوي، رئيس المجلس الجماعي للفقيه بن صالح وعضو اللجنة التنفيذية للحزب، وهي ورقة تحمل دلالة سياسية بالنظر إلى الموقع المؤسساتي للمرشح وعلاقته المباشرة بعاصمة الإقليم.
ويحاول الاستقلال من خلال هذه الترشيحات إعادة تثبيت حضوره داخل دائرة لها تاريخ طويل مع الحزب، خصوصا أن المنافسة المحلية لا تقوم فقط على الانتماء الحزبي، وإنما على القدرة على بناء شبكة من العلاقات والامتدادات داخل الجماعات والقبائل والمجالات القروية.
لكن الحزب يواجه في المقابل سؤالا تنظيميا لا يمكن تجاهله، بعدما عرف الإقليم خلال الأشهر الماضية تحولات داخلية واستقالات وإعادة تموقع لبعض الوجوه، وهو ما قد يجعل المعركة البرلمانية اختبارا حقيقيا لقدرة التنظيم على الحفاظ على تماسكه الانتخابي.
الحركة الشعبية.. هل تستعيد أحد مقاعدها؟
الحركة الشعبية بدورها لا تدخل دائرة الفقيه بن صالح من موقع الحزب الذي فقد كل أوراقه؛ فهي صاحبة أحد المقاعد الأربعة في انتخابات 2021، عندما تمكن محمد مبديع من الفوز باسم “السنبلة”.
لكن السياق تغير بصورة كبيرة منذ ذلك الحين، سواء بسبب تبدل الخريطة الحزبية أو خروج عدد من الأسماء من المشهد الانتخابي المباشر.
وتشير المعطيات الحالية إلى اختيار سمير راديوز لقيادة لائحة الحركة الشعبية بالدائرة، في محاولة لإعادة بناء حضور الحزب داخل منطقة ظلت تاريخيا من المجالات المهمة بالنسبة إليه.
وتملك الحركة الشعبية بدورها رصيدا انتخابيا جهويا لا ينبغي الاستهانة به، إذ ظلت حاضرة بقوة في عدد من دوائر جهة بني ملال-خنيفرة، ما يجعل معركة الفقيه بن صالح مفتوحة أمام احتمال استعادة أحد المقاعد التي فقدها الحزب أو على الأقل لعب دور في إعادة توزيعها.
المعركة الحقيقية.. ليست بين أربعة أحزاب فقط
ورغم بروز الأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية في واجهة المنافسة، فإن اختزال السباق في هذه الأسماء وحدها قد يكون سابقا لأوانه.
فالدائرة الانتخابية في الفقيه بن صالح تعرف تقليديا حضورا لعدد من الأحزاب، كما أن طبيعة التصويت المحلي تجعل المرشح قادرا أحيانا على تجاوز الوزن الوطني لحزبه إذا امتلك شبكة انتخابية قوية.
وهذا ما يفسر استمرار ظاهرة انتقال بعض المنتخبين بين الأحزاب، وهي ظاهرة جعلت الخريطة المحلية أقل ارتباطا بالهوية الحزبية الصلبة وأكثر تأثرا بموازين القوى الشخصية والعائلية والمحلية. وقد سبق أن أظهرت انتخابات 2021 بوضوح قوة عدد من المنتخبين الذين حافظوا على امتداداتهم الانتخابية رغم تغير مواقعهم الحزبية.
من يحسم “المقاعد الأربعة”؟
المؤشرات الحالية لا تسمح بمنح أي حزب ضمانة مسبقة بالفوز، لكنها تسمح بقراءة ثلاثة مستويات من المنافسة.
المستوى الأول يرتبط بالتنظيم الحزبي والقدرة على تعبئة الناخبين، وهو المجال الذي يبدو فيه الأحرار في وضع مريح نسبيا بفعل امتداده الجماعي.
المستوى الثاني يتعلق بقوة المرشح نفسه، وهنا يدخل عامل الخبرة والعلاقات والامتداد المحلي في تحديد قدرة كل لائحة على تحويل اسم وكيلها إلى أصوات.
أما المستوى الثالث، وهو الأكثر حساسية، فيرتبط بمزاج الناخبين تجاه الحصيلة الحكومية والمحلية. فارتفاع الأسعار، وفرص الشغل، ووضعية الصحة والتعليم، ومشاكل الماء والفلاحة، ومستوى الخدمات العمومية، كلها ملفات يمكن أن تنتقل من المجال الاجتماعي إلى المجال الانتخابي خلال الحملة.
وفي إقليم يرتبط جزء كبير من اقتصاده بالفلاحة، لا يمكن فصل النقاش الانتخابي عن قضايا الماء، وكلفة الإنتاج، ووضعية الفلاحين، وسلاسل التسويق، وفرص الشباب، وهي ملفات قد تكون أكثر تأثيرا في القرار الانتخابي من الشعارات الحزبية العامة.
الفقيه بن صالح.. الناخب أمام امتحان جديد
المفارقة السياسية في دائرة الفقيه بن صالح أن الأحزاب أصبحت أكثر حضورا وتنظيما، لكن ذلك لا يعني أن الناخب أصبح أكثر ارتباطا بها.
فالمنافسة الحالية تطرح سؤالا أكبر من سؤال من سيفوز بالمقاعد الأربعة: هل ستظل الانتخابات محكومة بمنطق الأعيان والامتدادات الشخصية، أم أن البرامج والحصيلة والقدرة على الدفاع عن مصالح الإقليم ستفرض نفسها معيارا جديدا للاختيار؟
ذلك أن الفوز بالمقعد البرلماني لم يعد نهاية المعركة، بل بدايتها الفعلية. فالناخب الذي يمنح صوته اليوم ينتظر مقابله في الغد: تنمية، استثمارات، فرص شغل، خدمات صحية وتعليمية أفضل، ودفاعا أقوى عن مصالح الإقليم داخل المؤسسة التشريعية.
ومن هذه الزاوية، تبدو انتخابات 23 شتنبر في الفقيه بن صالح أقرب إلى اختبار مزدوج: اختبار للأحزاب في قدرتها على تجديد خطابها وأدواتها، واختبار للمنتخبين في قدرتهم على الانتقال من منطق الحضور الانتخابي إلى منطق التمثيلية السياسية.
وبين أربعة مقاعد وعدد أكبر من الطامحين إليها، ستكون الكلمة الأخيرة لصندوق الاقتراع. لكن ما سيحدد اتجاهه لن يكون بالضرورة عدد المقرات الحزبية أو حجم التعبئة وحدهما، وإنما قدرة كل مرشح على إقناع الناخب بأن صوته لن يكون مجرد ورقة انتخابية، بل تفويضا سياسيا للدفاع عن إقليم يبحث عن موقع أقوى في معادلة التنمية والقرار.



