الرئيسية

كمال عشابي: حين تعيد السياسة إنتاج الوجوه نفسها تُقتل روح الأحزاب وتُستنزف ثقة المواطنين

حميد رزقي

قال كمال عشابي، باحث وفاعل سياسي، إن أزمة الحياة السياسية لم تعد ترتبط فقط بضعف المشاركة أو فتور اهتمام المواطنين بالشأن العام، بل باتت تعكس اختلالا أعمق يتجلى في الصورة العامة للمشهد السياسي، حيث تعود الوجوه نفسها في كل استحقاق، ويُعاد تدوير الخطاب ذاته، وتُقدَّم الوعود القديمة في قوالب جديدة.

وأوضح عشابي، في قراءة تحليلية، أن أخطر ما في هذا التكرار لا يكمن فقط في إرهاق المشهد السياسي، بل في الرسالة السلبية التي يبعثها إلى المواطنين، ومفادها أن السياسة لم تعد فضاءً لتجديد النخب وصناعة البدائل، بل تحولت إلى دائرة مغلقة تتداول داخلها الأسماء نفسها، بغض النظر عن تغير السياقات والرهانات.

وأضاف المتحدث أن هذا الواقع يُضعف منسوب الثقة في العملية السياسية، حيث يبدأ المواطن في الاعتقاد بأن الانتخابات لا تُفضي إلى تغيير حقيقي، بل تقتصر على إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين أنفسهم، مشيرا إلى أن الحكم على الحياة السياسية لا يتم فقط من خلال البرامج، بل أيضا عبر صدقية الفاعلين وقدرة الأحزاب على تقديم كفاءات جديدة.

وسجل عشابي أن الأزمة تتعمق أكثر حين يُكرَّس منطق الأشخاص على حساب منطق الأحزاب، إذ تتحول هذه الأخيرة من مؤسسات للتأطير السياسي وصناعة القيادات إلى مجرد واجهات انتخابية تستدعي الأسماء الأكثر حضورا أو نفوذا، وهو ما يؤدي إلى تراجع الدور التربوي والسياسي للأحزاب، وفقدانها لهويتها التنظيمية.

وفي هذا السياق، شدد الباحث ذاته على أن هيمنة الأشخاص تُضعف النقاش العمومي حول الأفكار والبرامج، حيث يتحول الاهتمام من المشاريع المجتمعية والبدائل الاقتصادية والاجتماعية إلى تتبع تحركات الأفراد وحساباتهم الانتخابية، ما يؤدي إلى تقزيم السياسة وتحويلها من تنافس بين تصورات إلى صراع بين أسماء.

واعتبر عشابي أن هذا التحول لا يولد فقط شعورا بالملل لدى المواطنين، بل يعمق أيضا الإحساس بالإقصاء الرمزي، إذ يترسخ لديهم أن المجال السياسي لا يتيح فرصا حقيقية لصعود كفاءات جديدة، وأن أصواتهم لا تساهم في تجديد النخب، وهو ما يفسر، في نظره، جزءا من ظاهرة العزوف الانتخابي.

وأشار الباحث إلى أن معطيات حديثة لسنة 2026 تعكس هشاشة الثقة في المؤسسات التمثيلية، حيث لا تتجاوز نسب الثقة لدى الشباب مستويات محدودة في البرلمان والمجالس المنتخبة والأحزاب السياسية، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين المواطن والمشهد السياسي، خاصة في ظل تمثلات سلبية مرتبطة بضعف النجاعة وانتشار الريع.

وخلص عشابي إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الفوز بالمقاعد، بل في استعادة المعنى داخل العمل السياسي، من خلال إعادة الاعتبار لدور الأحزاب كفضاءات للتأطير وإنتاج النخب، وفتح المجال أمام وجوه جديدة تحمل الكفاءة والمصداقية، مؤكدا أن تجديد الثقة يمر أساسا عبر تجديد العرض السياسي، والقطع مع منطق إعادة إنتاج الأسماء نفسها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق