الرئيسية

أزيلال.. هل تتشكل ملامح نموذج جديد في تدبير الشأن الترابي؟

من الاجتماعات الميدانية إلى الإنصات للاحتجاجات.. الإدارة الترابية تنتقل من لغة التقارير إلى منطق القرب

حميد رزقي 

على امتداد الأشهر الأخيرة، لم يعد المشهد الإداري بإقليم أزيلال يقتصر على الاجتماعات الدورية داخل المكاتب أو على تبادل المراسلات الإدارية بين مختلف المصالح. فمن يتابع تفاصيل الحركية التي يعرفها الإقليم يلاحظ بروز نمط جديد في تدبير الملفات التنموية والاجتماعية، عنوانه النزول إلى الميدان والاحتكاك المباشر مع الواقع اليومي للساكنة.

ففي الوقت الذي تتواصل فيه الأنشطة الثقافية والرياضية والتراثية عبر مختلف الجماعات، من المعرض الجهوي للكتاب والنشر إلى الدوريات الرياضية والمهرجانات المحلية، تبرز في الخلفية دينامية إدارية متواصلة تبدو أكثر عمقاً وتأثيراً من مجرد تنظيم التظاهرات والأنشطة الموسمية.

مصادر متطابقة من داخل الإقليم تتحدث عن سلسلة اجتماعات موسعة شملت مختلف الدوائر والقيادات والجماعات الترابية، خصصت للوقوف على وضعية المشاريع المنجزة، وتلك التي توجد في طور الإنجاز، فضلاً عن المشاريع المتعثرة التي ظلت لسنوات موضوع شكايات وانتقادات من قبل الساكنة والمنتخبين.

المقاربة الجديدة لا تكتفي بعرض التقارير التقنية أو الإحصائيات الرقمية، بل تقوم على تتبع ميداني مباشر لمختلف الأوراش، مع تحميل المسؤوليات للمتدخلين والبحث عن حلول عملية للإكراهات التي تعطل إنجاز المشاريع، خصوصاً المرتبطة بالبنية التحتية والطرق والتجهيزات الأساسية.

ويبدو أن هذه الدينامية تتجسد أيضاً في الزيارات الميدانية المتكررة التي تشمل عدداً من الجماعات الترابية، حيث لم يعد المسؤول الترابي ينتظر وصول الملفات إلى مكتبه، بل أصبح ينتقل إلى مواقع المشاريع ويقف شخصياً على مستوى تقدم الأشغال والإكراهات المطروحة.

وفي جانب آخر لا يقل أهمية، سجل متتبعون انفتاحاً متزايداً على الحركات الاحتجاجية وممثلي الساكنة، إذ أصبحت العديد من الوقفات والاحتجاجات تجد آذاناً صاغية في عين المكان، من خلال لقاءات مباشرة مع المحتجين والاستماع إلى مطالبهم ومحاولة إيجاد مخارج قانونية وإدارية للمشاكل المطروحة.

هذا التحول في منهجية التدبير يختلف عن الصورة التقليدية التي كانت تربط الإدارة الترابية بالتعامل عن بعد مع الملفات، حيث أصبح الحوار المباشر والإنصات للساكنة جزءاً من آليات الاشتغال اليومي، سواء تعلق الأمر بمطالب مرتبطة بفك العزلة أو بالماء الصالح للشرب أو بالبنيات التحتية والخدمات العمومية.

كما يتحدث فاعلون محليون عن حركية ملحوظة داخل مختلف المصالح الخارجية، التي باتت مطالبة بمواكبة الأوراش المفتوحة وتسريع وتيرة الإنجاز، في ظل تنسيق متواصل بين مختلف المتدخلين. ويبرز هنا الدور المحوري الذي يضطلع به قسم الشؤون الداخلية في تنسيق الجهود بين السلطات المحلية ومختلف المصالح والمؤسسات المعنية، بما يسمح بتتبع يومي للملفات المطروحة وتدبيرها بشكل استباقي.

وفي موازاة ذلك، يسجل عدد من المتابعين انفتاحاً واضحاً على وسائل الإعلام وفعاليات المجتمع المدني، عبر التواصل المستمر وتبادل المعطيات المتعلقة بالمشاريع والقضايا التي تهم الرأي العام المحلي، في خطوة يعتبرها مهتمون بالشأن المحلي ضرورية لتعزيز الثقة بين الإدارة والمواطن.

غير أن اللافت في هذه المرحلة ليس فقط تعدد المبادرات، بل كونها تأتي في سياق استكمال مسار انطلق خلال السنوات الماضية. فالكثير من المتابعين يربطون بين الحركية الحالية وبين الدينامية التي عرفها الإقليم خلال فترة العامل السابق محمد عطفاوي، الذي أطلق عدداً من الأوراش والمشاريع وساهم في ترسيخ ثقافة المتابعة الميدانية لبعض الملفات الكبرى.

اليوم، يبدو أن المرحلة الحالية تسير في اتجاه البناء على تلك المكتسبات، لكن مع إضافة بصمة خاصة تقوم على تكثيف الحضور الميداني، وتوسيع دائرة الحوار مع الساكنة، والبحث عن حلول مباشرة للمشاكل المطروحة بدل الاكتفاء بالتدبير الإداري التقليدي.

ورغم الإشارات الإيجابية التي يلتقطها المتابعون، فإن الرهان الحقيقي يظل مرتبطاً بمدى قدرة هذه المقاربة على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فالإقليم الذي ما يزال يواجه تحديات كبيرة في مجالات البنية التحتية والخدمات الأساسية والتشغيل، يحتاج إلى ما هو أكثر من الاجتماعات والزيارات واللقاءات.

ويبقى السؤال المطروح اليوم داخل أزيلال: هل نحن أمام بداية نموذج جديد في الحكامة الترابية يقوم على القرب والإنصات والتتبع الميداني الصارم؟ أم أن نجاح هذه التجربة سيظل رهيناً بقدرتها على تحويل هذه الدينامية إلى مشاريع مكتملة وأوراش منجزة ومطالب اجتماعية تمت تسويتها على أرض الواقع؟

الجواب، كما يقول فاعلون محليون، لن تصنعه البلاغات ولا الاجتماعات وحدها، بل ستحدده النتائج التي ستظهر خلال السنوات المقبلة، ومدى انعكاسها على واقع ساكنة طالما انتظرت أن تنتقل التنمية من الأوراق والتقارير إلى تفاصيل الحياة اليومية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق