
حميد رزقي
تناول رشيد غاندي، الأستاذ والباحث بجامعة القاضي عياض بمراكش، إشكالية التصنيف الأخلاقي للفعل السياسي، متوقفاً عند الحدود الفاصلة بين «الخيانة» و«إعادة التموضع» في الممارسة السياسية.
واستحضر غاندي المقولة الشائعة: «لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة في السياسة، إنما مصالح دائمة»، معتبراً أنها تعكس تقليداً فكرياً سياسياً قديماً يطرح إشكالية العلاقة بين الأخلاق والسياسة، وهي الإشكالية التي ظلت حاضرة في الفكر السياسي منذ ميكيافيلي.
وأوضح أن السؤال يتعلق بما إذا كانت الممارسة السياسية تخضع لمعايير أخلاقية ثابتة يمكن من خلالها تقييم فعل «الخيانة»، أم أن السياسة تمثل مجالاً مستقلاً له منطقه الخاص القائم على تقدير المصلحة والسياق.
وأكد غاندي أن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون مطلقة في أي من الاتجاهين، موضحاً أن المقاربة الأكاديمية تقتضي التمييز بين مستويين من التحليل؛ مستوى وصفي يتعلق بكيفية إدارة الممارسة السياسية فعلياً، ومستوى معياري يتساءل عن القيود الأخلاقية أو المؤسساتية التي ينبغي أن تخضع لها هذه الممارسة.
وأشار إلى أن الخلط بين المستويين يؤدي إلى إصدار أحكام قاطعة، سواء بتبرير كل تحول سياسي باعتباره «واقعية»، أو بإدانة كل تحول باعتباره «غدراً»، بينما تقتضي المقاربة التمييز بين الحالات المختلفة.
وقبل اتخاذ موقف بشأن ظاهرة سياسية معينة، ميز غاندي بين نوعين من الأفعال. يتعلق النوع الأول بتغير الموقف السياسي استجابة لظروف جديدة، دون أن يكون هذا التغير مرتبطاً بالتزام صريح سابق تجاه طرف معين، وهو ما يُطلق عليه في بعض الأدبيات السياسية «إعادة التموضع الاستراتيجي».
أما النوع الثاني، فيتمثل في خرق التزام صريح أو ضمني تم قطعه تجاه طرف معين، كالناخبين أو الشركاء في التحالف أو الحزب أو المؤسسة، بما يتعارض مع الأساس الذي بُنيت عليه الثقة المتبادلة.
واعتبر أن هذا التمييز ينقل النقاش من سؤال عام حول ما إذا كانت السياسة «خائنة بطبيعتها» إلى سؤال يتعلق بالحالات التي يشكل فيها التحول السياسي خرقاً فعلياً لالتزام قائم، والحالات التي يعتبر فيها مجرد تكيّف مشروعاً مع سياق متغير.
وفي هذا السياق، أشار غاندي إلى نيقولا ميكيافيلي، الذي فصل بين الأخلاق الفردية ومنطق الحفاظ على السلطة والدولة، معتبراً أن الحاكم الناجح هو من يحسن قراءة الظروف وتوظيف الوسائل المتاحة لتحقيق الاستقرار والمصلحة العليا، حتى في حال تعارض ذلك مع معايير الوفاء الشخصي.
وأضاف أن هذا التقليد استمر لاحقاً في الفكر الواقعي في العلاقات الدولية والتحليل السياسي، الذي يرى أن الفاعلين السياسيين، سواء كانوا أفراداً أو دولاً، يتصرفون أساساً وفق منطق المصلحة والقوة، وليس وفق منظومة أخلاقية ثابتة.
غير أن هذه المقاربة، بحسب غاندي، تواجه إشكالاً منهجياً عندما تستخدم لتبرئة أي تحول سياسي من أي مساءلة أخلاقية أو مؤسساتية، بغض النظر عن طبيعته، موضحاً أن فهم أسباب تحول الفاعل السياسي يختلف عن اعتبار كل تحول مبرراً بالضرورة.
وتوقف الباحث عند تصور عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في محاضرته «السياسة كمهنة»، وخاصة التمييز بين «أخلاقيات المقصد» و«أخلاقيات المسؤولية».
وأوضح أن «أخلاقيات المقصد» تقيم الأفعال بناء على نقاء النية والثبات على المبدأ، بينما تقيم «أخلاقيات المسؤولية» الأفعال السياسية بناء على نتائجها وعواقبها على من يتحمل السياسي مسؤوليتهم.
وأشار إلى أن السياسي الذي يغير موقفه لأنه يرى أن الاستمرار فيه يضر بمن يمثلهم، لا يمكن اعتباره خائناً لمبدأ، بل قد يكون أكثر وفاءً بمسؤوليته التمثيلية من خلال هذا التحول ذاته.
غير أن هذا التبرير، يضيف غاندي، يتطلب أن يكون التحول مستنداً بالفعل إلى حساب المصلحة العامة لمن يمثلهم السياسي، وليس إلى مصلحته الشخصية أو الفئوية التي تتخفى تحت خطاب المصلحة العامة.
ومن هنا، تبرز أهمية نظرية «الوكيل والموكِّل»، التي تُستخدم في الاقتصاد المؤسساتي لتحليل العلاقة بين الناخب والممثل المنتخب.
وأوضح غاندي أن «الوفاء» في هذا السياق لا يُنظر إليه كقيمة عاطفية مجردة، وإنما كالتزام وظيفي بتعظيم مصلحة الموكِّل ضمن حدود التفويض الممنوح.
وأضاف أن الانحراف عن هذا التفويض لخدمة مصلحة الوكيل الخاصة، وليس نتيجة لتغيير في تقدير المصلحة العامة، هو ما يقترب أكثر من المعنى الدقيق لـ«الخيانة» في هذا السياق النظري، ويُعرف في الأدبيات بـ«مشكلة الوكالة».
وحدد الباحث مجموعة من المعايير التحليلية التي تساعد على التمييز بين الحالات، من بينها معيار الشفافية، ويتعلق بما إذا كان الفاعل السياسي يوضح أسباب تحوله بوضوح، أم يقدم التحول بخطاب مزدوج يخفي دوافعه الحقيقية.
كما يتعلق الأمر بـطبيعة الالتزام السابق، وما إذا كان الالتزام صريحاً وموثقاً، مثل برنامج انتخابي أو ميثاق تحالف مكتوب، أم كان ضمنياً وعاماً.
ويتمثل معيار آخر في المستفيد من التحول، وما إذا كان يخدم مصلحة عامة يمكن تبينها موضوعياً، أم يحقق بشكل مباشر مصلحة شخصية أو فئوية ضيقة.
أما معيار التوقيت والسياق، فيتعلق بما إذا كان التحول يأتي استجابة لمتغيرات موضوعية طارئة، أم يتزامن مع لحظة انتخابية أو مؤسساتية تجعل الدافع الانتهازي أكثر ترجيحاً.
وأكد غاندي أن هذه المعايير لا تحسم الحكم في كل حالة بعينها، وإنما تقدم أداة تحليلية للانتقال من الحكم الانطباعي الفوري، سواء بالإدانة أو التبرير، إلى تقييم أقرب إلى الموضوعية العلمية.
وأوضح أن الإجابة عن سؤال «هل توجد خيانة في السياسة؟» لا يمكن أن تكون مطلقة في أي من الاتجاهين، معتبراً أن القول بأن كل تحول سياسي هو خيانة يتجاهل الطبيعة الديناميكية والمشروعة لإعادة التموضع السياسي في بيئة متغيرة.
وفي المقابل، فإن القول بعدم وجود خيانة على الإطلاق في السياسة، لأن كل شيء فيها مبني على المصلحة، يسقط إمكانية المساءلة الأخلاقية أو المؤسساتية عن خرق الالتزامات الصريحة تجاه الناخبين أو الشركاء.
وخلص غاندي إلى أن مفهوم «الخيانة» في السياسة ليس مفهوماً غائباً كلياً ولا حاضراً في كل تحول، وإنما هو مفهوم مشروط بطبيعة الالتزام المخروق ودوافع هذا الخرق ونتائجه.
وأكد أن الحكم على كل حالة بعينها يظل رهيناً بتحليل وقائعها الملموسة في ضوء هذه المعايير، بدل إسقاط حكم عام مسبق، سواء بالسلب أو الإيجاب، على الظاهرة السياسية ككل.



