
هومبريس – ح رزقي
لم تكن هذه الحافلة، التي انتهت إلى هيكل متفحم على بعد أمتار قليلة من مفوضية الشرطة ومركز الدرك بسوق السبت، مجرد وسيلة نقل عابرة. كانت، قبل أن ترتدي سوادها الأخير، تجوب مسارات طويلة بين الجماعات القروية، تمرّ بهدوء لافت أمام مراكز للدرك متعددة، وكأنها تؤدي جولة تعريفية بحالتها لمن أراد أن ينتبه… أو لمن فضّل أن لا ينتبه.
كانت تعبر من سوق السبت إلى أولاد عياد، وأولاد أزمام وحد بوموسى ودار ولد زيدوح وسيدي عيسى، ثم تواصل طريقها نحو بني ملال، دون أن تعترضها سوى إشارات المرور وربما بعض الدعوات الصامتة للسلامة. تقف أحياناً لساعات في محيط مؤسسات أمنية، في مشهد قد يراه البعض دليلاً على “ثقة متبادلة” بين الحافلة ومحيطها.
ولأن الحافلة، على ما يبدو، كانت تؤمن بحرية التنقل أكثر من أي نص قانوني، فقد اعتادت أن تحمل من الركاب ما يتجاوز طاقتها، في تجربة اجتماعية مفتوحة حول “تقاسم المساحة”. تجربة، لولا نهايتها المفاجئة، لربما استمرت كأحد نماذج التعايش اليومي مع المخاطر المؤجلة.
المثير في القصة ليس فقط لحظة الاحتراق، بل ما سبقها من تفاصيل صغيرة: رحلات يومية، حمولات زائدة، إشارات غير مرئية، ومرور متكرر عبر محاور يُفترض أنها تشتغل بمنطق المراقبة. لكن يبدو أن الحافلة كانت تتمتع بقدرة خاصة على الاندماج في المشهد، دون أن تثير ما يكفي من الانتباه.
قد يقول قائل إن الأمور كانت تسير بشكل “عادي” إلى أن قررت النار أن تتدخل لتضع حداً لهذا الروتين. وربما، فقط ربما، كان الحريق هو أول إنذار مسموع بعد سلسلة طويلة من الإنذارات الصامتة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بحافلة واحدة بقدر ما هو قصة نمط يتكرر: مركبات تواصل السير رغم التعب، وواقع يتأقلم مع حدوده، إلى أن يقع ما لا يُتمنى.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقاً بأسلوب لا يحتاج إلى إجابة مباشرة: هل ننتظر دائماً النهاية السوداء لنكتشف أن بعض التفاصيل الصغيرة كانت تستحق الانتباه؟



