غير مصنف

سوق السبت.. مساءلة مستشارين تفتح أسئلة التوقيت وتحولات الموقف داخل المجلس الجماعي

حميد رزقي
لم تأتِ المساءلة الكتابية التي وجهها عدد من أعضاء ومستشاري المجلس الجماعي لسوق السبت أولاد النمة إلى رئيس المجلس في سياق عادي، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي أعيد وضعها على طاولة النقاش، وأيضا بالنظر إلى توقيت طرحها والتحولات التي عرفتها مواقف عدد من الموقعين عليها خلال الولاية الانتدابية الحالية.
فالمساءلة، التي تستند إلى المادة 46 من القانون التنظيمي رقم 113.14، تضع أمام رئيس المجلس خمس ملفات أساسية، تتعلق بأشغال شارع الحسن الثاني، وصفقة تهيئة الطرق بالأحياء ناقصة التجهيز، ومشروع توسعة وتهيئة شارع محمد السادس وتفرعاته، ومشروع الطرق والتبليط، فضلا عن تدبير بعض العقارات التابعة للملك الجماعي.
وبعيدا عن مضمون المطالب التقنية والتدبيرية، فإن توقيت هذه المبادرة يفرض نفسه كعنصر يستحق القراءة، خصوصا أن جزءا من القضايا الواردة فيها لم يظهر اليوم، بل سبق أن كان حاضرا، بدرجات مختلفة، في النقاش المحلي وعلى طاولة المجلس خلال سنوات سابقة.
هنا تحديدا يبرز السؤال السياسي المشروع: ما الذي تغير اليوم حتى عادت هذه الملفات إلى الواجهة بهذه القوة؟
فعدد من الموقعين على المساءلة كانوا، في مراحل سابقة من الولاية، ضمن مكونات المجلس التي حافظت على قدر كبير من الانسجام مع رئاسة المجلس، بل إن بعضهم كان يحظى بموقع متقدم داخل محيط التسيير، وكان حاضرا في تدبير عدد من الملفات والقرارات.
والأكثر دلالة أن بعض هؤلاء المستشارين كانوا يصوتون خلال دورات المجلس في اتجاه مواقف الرئاسة أو يدافعون علانية عن اختياراتها، قبل أن ينتقل جزء منهم اليوم إلى موقع المساءلة والمطالبة بتوضيحات بشأن ملفات كانت مطروحة في فترات سابقة.
ولا يعني هذا بالضرورة أن المواقف السابقة كانت خاطئة أو أن المواقف الحالية غير مشروعة، فالممارسة السياسية تقوم، في جانب منها، على مراجعة المواقف وتقييم التجارب وتصحيح الاختيارات. غير أن التحول نفسه يستحق التفسير، لأن المواطن لا ينظر فقط إلى مضمون المساءلة، وإنما يتابع أيضا توقيتها ومن يقف وراءها والمسارات التي قطعتها مواقف الموقعين عليها.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بملفات ظلت مطروحة منذ سنوات، من قبيل وضعية الطرق والأحياء ناقصة التجهيز، ومشاريع التبليط والتهيئة، وتدبير الممتلكات الجماعية. فهل تغيرت المعطيات فعلا؟ وهل ظهرت معطيات جديدة دفعت إلى إعادة فتح هذه الملفات؟ أم أن الأمر يتعلق بمرحلة جديدة داخل المجلس فرضت على بعض أعضائه إعادة ترتيب مواقفهم؟
المساءلة نفسها لا تكتفي بطرح أسئلة تقنية، وإنما تحمل في طياتها مواقف سياسية واضحة، خصوصا عندما تتحدث عن “تعثر” مشاريع، أو تغييرات طالت البرمجة، أو تدبير يحتاج إلى توضيحات. وهي بذلك تتجاوز مجرد طلب معلومة لتصبح جزءا من نقاش أوسع حول طريقة تدبير الشأن الجماعي ومدى نجاعة الاختيارات المتخذة خلال الولاية.
وفي المقابل، فإن من حق الموقعين على المساءلة أن يراجعوا مواقفهم، وأن يمارسوا صلاحياتهم الرقابية، وأن يطالبوا بتوضيحات حول كل ملف يرونه مرتبطا بمصالح المدينة وساكنتها. كما أن من حق رئيس المجلس، في المقابل، أن يقدم أجوبته ومعطياته وقراءته الخاصة للملفات المثارة.
لكن اللافت سياسيا هو أن هذه الدينامية تأتي في مرحلة بدأت فيها ملامح الاستحقاقات المقبلة تفرض نفسها على المشهد المحلي، وهو ما يجعل المتابع أمام سؤال آخر أكثر اتساعا: هل نحن أمام ممارسة رقابية عادية داخل المجلس، أم أمام محاولة لإعادة ترتيب المواقع السياسية استعدادا لمرحلة جديدة؟.
لا توجد إجابة جاهزة عن هذا السؤال، كما لا يمكن اختزال المساءلة في خلفية انتخابية لمجرد أنها جاءت في توقيت سياسي حساس. غير أن السياسة المحلية لا تنفصل عن التوقيت، خصوصا عندما تتحرك ملفات ظلت لسنوات في دائرة النقاش دون أن تبلغ الدرجة نفسها من الحضور السياسي والإعلامي.
وفي كل الأحوال، فإن أهمية المساءلة لا تكمن فقط في الجهة التي وقعتها أو في الخلفيات المحتملة لطرحها، وإنما في الأجوبة التي ستنتج عنها. فإذا قدمت الرئاسة معطيات دقيقة حول المشاريع والصفقات والاعتمادات والممتلكات الجماعية، فإن النقاش سينتقل من مستوى الانطباعات إلى مستوى الوثائق والأرقام والمسؤوليات المحددة.
أما إذا كشفت الأجوبة عن وجود اختلالات أو تأخر غير مبرر في بعض المشاريع، فإن الأمر سيحتاج إلى معالجة مؤسساتية واضحة. وإذا تبين أن ما ورد في المساءلة ناتج عن اختلاف في التقدير أو قراءة غير مكتملة للمعطيات، فإن توضيحات الرئيس ستكون بدورها كفيلة بإعادة ترتيب النقاش.
وفي الحالتين، تبقى مصلحة مدينة سوق السبت أولاد النمة فوق الحسابات السياسية، لأن ملفات الطرق والتبليط والتهيئة والممتلكات الجماعية ليست ملكا لفريق سياسي دون آخر، وإنما ترتبط مباشرة بحقوق الساكنة في خدمات وتجهيزات وتدبير محلي فعال.
وربما تكون هذه المساءلة، بما رافقها من أسئلة حول التوقيت وتحولات المواقف، فرصة لإعادة فتح النقاش حول حصيلة الولاية الجماعية برمتها، ليس بمنطق تصفية الحسابات، وإنما بمنطق كشف ما تحقق وما تعثر، ومن كان حاضرا في اتخاذ القرار، وما الذي تغير اليوم.
ويبقى الرهان الحقيقي هو أن تتحول هذه المساءلة من مجرد وثيقة سياسية إلى مناسبة لتقديم أجوبة واضحة للرأي العام، ووضع الملفات المثارة أمام المجلس والساكنة بكل ما يلزم من شفافية ووضوح.
وتؤكد الجريدة، في إطار التزامها بمبادئ المهنية وحق الرد، أنها تظل منفتحة على نشر توضيحات رئيس المجلس الجماعي لسوق السبت أولاد النمة أو رده بشأن ما ورد في هذه المساءلة، متى توصلت به، بما يتيح تقديم مختلف المعطيات ووجهات النظر للرأي العام.
كما ترحب الصفحة بتدخلات وتوضيحات جميع أعضاء المجلس الجماعي، سواء المؤيدين أو المعارضين، انطلاقاً من قناعة بأن النقاش العمومي المسؤول لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة شخصية، وإنما إلى مناسبة لتشخيص الاختلالات واقتراح البدائل والدفع نحو تحسين أداء المرفق الجماعي وخدمة مصالح الساكنة.
وفي هذا السياق، يبقى الهدف من إثارة هذه القضايا هو الإسهام في نقاش محلي جاد وشفاف، بعيداً عن الحسابات الضيقة، بما يساعد على تصحيح الاختلالات، وتعزيز التواصل مع المواطنين، والدفع بعجلة التنمية داخل مدينة سوق السبت أولاد النمة.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق